لبنان ..“عقدة الحل”… المخرج بين ترامب والمجتبى …..

بقلم الاستاذ عبدالهادي محفوظ
تساءل كثيرون لماذا لم يتضمّن خطاب الإمام Mojtaba Khamenei أي رسالة مباشرة أو حتى سؤال للرئيس الأميركي Donald Trump.
هذا التساؤل في محلّه، غير أنّ القراءة الأعمق تشير إلى أنّ الأمر كان مقصودًا. فالصمت في هذا السياق يندرج ضمن ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ “الغموض البنّاء” الذي تعتمده Iran في إدارة صراعاتها الإقليمية. وهو ما ألمح إليه أيضًا رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني السابق Ali Larijani حين وجّه رسالة إلى ساكن البيت الأبيض قائلاً: «أنت بدأت الحرب، لكنك لا تستطيع إنهاءها بتغريدة».
المعنى الضمني لهذا الكلام أن قرار إنهاء الحرب ليس قرارًا أميركيًا صرفًا، بل بات مرتبطًا بقرار الطرف المقابل، أي بطهران نفسها، وبالقيادة التي تدير المواجهة. وهذا القرار، وفق الحسابات الإيرانية، يرتبط بجملة عناصر: مفاوضات نهائية، ضمانات دولية، “سلة واحدة” من الملفات، وتفاهمات تتعلق بدوائر النفوذ في المنطقة.
معادلة الحرب وقرار إنهائها
نحن، عمليًا، أمام معادلة دقيقة: طرف يمتلك قرار إشعال الحرب، وآخر يمتلك القدرة على التحكم بقرار إنهائها.
وهذه معادلة تشبه في جوهرها ما تصفه الفلسفة السياسية بـ وحدة المتضادات في تفسير الديالكتيك؛ أي تسوية تنشأ بين قوتين متناقضتين تتصارعان في الظاهر، لكنهما تحتاجان إلى نقطة توازن مشتركة للخروج من المواجهة.
وليس صدفة، في هذا السياق، أن يجتمع Donald Trump بعد خطاب المجتبى مع مستشاريه في البيت الأبيض. فداخل الإدارة الأميركية برز اتجاهان واضحان:
فريق ينصح بوقف الحرب على قاعدة أن واشنطن حققت ما يكفي لتعلن “الانتصار”.
وفريق آخر يدفع باتجاه مواصلة الحرب لفرض شروط أقسى على طهران.
هذا الانقسام يعكس حالة إرباك داخل القرار الأميركي. فالاستمرار في الحرب يعني الانتقال إلى مرحلة أكثر خطورة، قد تشمل ضرب شبكات الكهرباء والنفط والموانئ الإيرانية، وهو ما قد يستجلب ردودًا عسكرية إيرانية تطال أهدافًا في الإقليم.
والنتيجة المحتملة لذلك ستكون أزمة نفطية عالمية وارتفاعًا حادًا في الأسعار، إضافة إلى اهتزاز الأسواق المالية العالمية، بما فيها البورصة الأميركية نفسها.
ثقة إيرانية… وحسابات إسرائيلية مختلفة
في المقابل، يبدو أن الإمام Mojtaba Khamenei مطمئن نسبيًا إلى الوضع الداخلي الإيراني، خصوصًا بعد سقوط الرهان الأميركي – الإسرائيلي على تحريك الشارع داخل Iran.
هذه النقطة تمثل عنصر قوة في حسابات حرب الاستنزاف التي تستعد لها طهران إذا طال أمد المواجهة.
ولعل هذا ما دفع رئيس الحكومة الإسرائيلية Benjamin Netanyahu إلى ربط الضربات الجوية الإسرائيلية بتدمير البنية التحتية ومواقع الدولة، على أمل أن يؤدي ذلك لاحقًا إلى إثارة اضطرابات داخلية في إيران.
غير أن هذا الخيار يعكس في الوقت نفسه تراجعًا في الحسابات الإسرائيلية الأولى، وانتظارًا حذرًا لاحتمال إعلان مفاجئ من ترامب بوقف الحرب أو الانسحاب منها.
الجنوب اللبناني في قلب الحسابات
في ظل هذا المشهد، يحاول نتنياهو تحويل الجنوب اللبناني إلى ساحة مركزية للصراع، عبر السعي لفرض أمر واقع ميداني قد يصل إلى اقتطاع أجزاء منه أو إنشاء منطقة عازلة.
لكن قراءة خطاب المجتبى توحي بأن Iran لن تترك Hezbollah وحيدًا في المواجهة.
نظريًا، تميل طهران إلى اعتماد نظرية “السلة الواحدة” في أي تسوية محتملة، بحيث تُربط ملفات الحرب في المنطقة – ومنها لبنان – ضمن اتفاق شامل. فترك إسرائيل تستفرد بالمقاومة ودفع سكان الجنوب إلى نزوح قسري سيكون، في الحسابات الإيرانية، خيارًا خاسرًا على المستوى السياسي والاجتماعي داخل البيئة الشيعية في الجنوب والبقاع والضاحية.
ولهذا تشير بعض التقديرات إلى أن المجتبى حريص على أن يكون لبنان جزءًا من أي سلة تسوية شاملة.
خلاف أميركي – إسرائيلي حول لبنان
مصادر أوروبية غربية ترى أن لبنان أصبح نقطة خلاف بين واشنطن وتل أبيب. فنتنياهو يضغط على الإدارة الأميركية كي لا تربط الملف اللبناني بوقف الحرب مع إيران، فيما تميل واشنطن إلى النظر إلى الحرب من زاوية أوسع.
وتشير هذه المصادر إلى أن Donald Trump بدأ يقتنع بأن التقديرات العسكرية الأميركية بشأن إيران لم تكن دقيقة، خصوصًا مع تزايد المعارضة الشعبية للحرب داخل الولايات المتحدة، حيث تشير تقديرات إلى أن نحو 70% من الأميركيين باتوا ضد استمرارها.
كما أن شركات أميركية كبرى في دول الخليج أصبحت على وشك إغلاق مكاتبها أو نقلها إلى أوروبا، وقد نقلت بالفعل بعض إداراتها إلى Portugal وSpain، وسط تقديرات بأن Madrid قد تصبح بديلًا مستقبليًا عن Dubai كمركز أعمال إقليمي في حال توسّعت الحرب.
مفاوضات سرية… ووساطة روسية
وبحسب هذه المصادر أيضًا، فإن المفاوضات السرية بين الولايات المتحدة وإيران تجري عبر وسيط دولي هو الرئيس الروسي Vladimir Putin، إلا أن هذه القناة تواجه حتى الآن تعطيلًا إسرائيليًا مؤقتًا بفعل أوراق الضغط التي تملكها تل أبيب داخل المشهد السياسي الأميركي.
الوسيط الروسي، وفق هذه القراءة، يحاول تقريب وجهات النظر بين الطرفين، لكن المسار ما زال معقدًا بسبب تضارب المصالح الإقليمية.
لبنان… عقدة الحرب ومفتاح التسوية
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن لبنان يقف في قلب المعادلة: فهو ساحة مواجهة محتملة، لكنه في الوقت نفسه مفتاح أي تسوية إقليمية شاملة.
ولهذا، فإن مستقبل الحرب في المنطقة قد لا يتحدد فقط في طهران أو واشنطن، بل في كيفية معالجة العقدة اللبنانية التي تجمع في جغرافيتها الصغيرة مصالح القوى الكبرى وصراعاتها.
□رئيس المجلس الوطني للإعلام – لبنان